مدبولي القائد الخفي لثورة الكوميديا المصرية ..

46

قبل أن تضحكنا تعبيرات وجهه، كانت “عين” عبد المنعم مدبولي (1921-2006) هي التي ترسم الضحكة للآخرين. لقد كان مخرجاً من طراز فريد، استطاع أن يحول خشبة المسرح إلى مختبر بشري، مخرجاً أعمالاً تُصنف اليوم كـ “كلاسيكيات المسرح العربي”، حيث لم يكن يكتفي بتوجيه الممثلين، بل كان يضع “الكود” الكوميدي الذي يسير عليه العرض بالكامل.

​مخرج الروائع.. من “أنا وهو وهي” إلى “المشاغبين”

​حين نتحدث عن الإخراج عند مدبولي، فنحن نتحدث عن العقل المدبر وراء أشهر الانفجارات الكوميدية في الستينيات والسبعينيات:

​أنا وهو وهي (1963): على مسرح “الهوسابير”، قدم مدبولي درساً في الإخراج الكوميدي (الفودفيل). لم يكتفِ بإدارة فؤاد المهندس وشويكار، بل “نحت” شخصية “دسوقي” (السكرتير) التي قدم من خلالها الشاب الناشئ آنذاك عادل إمام، واضعاً إياه على أول طريق النجومية.

​لوكاندا الفردوس (1964): كانت مباراة إخراجية استعرض فيها مدبولي قدرته على إدارة المجاميع والحركة السريعة والمتلاحقة (Comedy of errors)، محققاً نجاحاً ساحقاً بفرقة مسرح التلفزيون

​مدرسة المشاغبين: الحقيقة التاريخية تقول إن عبد المنعم مدبولي هو من وضع الرؤية الإخراجية الأولى والبصمة الأساسية لهذا العمل الأسطوري، وهو من جمع هؤلاء الشباب (سعيد صالح، عادل إمام، يونس شلبي) وروض طاقاتهم المنفجرة لخدمة النص، قبل أن ينسحب من العمل لاحقاً ويستكمله المخرج جلال الشرقاوي.

​ظاهرة “المدبوليزم”: مدرسة الأداء الإنساني..

​بسبب أسلوبه الفريد، نُحت مصطلح “المدبوليزم”، وهو المنهج الذي لم يدرّسه في الكتب، بل زرعه في تلاميذه. هذا المنهج اعتمد على :

​الكوميديا السوداء: القدرة على إخراج الضحكة من صلب المأساة، وهي الفلسفة التي جعلت الجمهور يشعر أن مدبولي “واحد منهم”، يعبر عن موظف الحكومة المطحون والزوج المغلوب على أمره.

​الارتجال “المدروس”: كان يسمح للممثل بالخروج عن النص بشرط أن يظل في “تراك” الشخصية، وكان بارعاً في التقاط اللحظة العفوية وتحويلها إلى “إيفيه” خالد.

​النحت الحركي: بحكم دراسته للفنون التطبيقية (قسم النحت)، كان مدبولي يرى جسد الممثل ككتلة يجب تشكيلها، فكانت حركات اليد المرتعشة، والارتباك في المشي، هي توقيعه الخاص الذي نقله لأجيال من الكوميديين.

​المحطات التاريخية: من باب الشعرية إلى فرقة “مدبوليزم”

​البدايات (1949-1952): تخرج في المعهد العالي لفن التمثيل، وانطلق من “المسرح الحر” ليقدم عروضاً جادة كشفت عن موهبته الإخراجية المبكرة قبل أن يغلب عليه الطابع الكوميدي.

​فرقة “الفنانين المتحدين” (1966): كان أحد أعمدتها المؤسسين، ومن خلالها أخرج ومثل مسرحيات غيرت وجه المسرح الخاص في مصر مثل “هالو شلبي” التي عُرضت بوسط البلد وكانت بمثابة “فرن” لتفريغ المواهب.

​تأسيس “فرقة مدبوليزم” (1975): بعد سنوات من العطاء للغير، قرر أن يكون له كيانه الخاص الذي يحمل اسمه، وقدم من خلاله مسرحيات مثل “راجل مفيش منه” و”مع خالص تحياتي”، حيث استقر في مسارح شهيرة مثل “ميامي” و”ريالتو”.”

​المحطة الأعظم: “ريا وسكينة” (1980)

​على مسرح “التحرير” بالجيزة، وصل مدبولي إلى ذروة نضجه المسرحي في دور “حسب الله” رغم أنه لم يخرج هذا العمل (أخرجه حسين كمال)، إلا أن روح “المدبوليزم” كانت هي المسيطرة. استطاع مدبولي أن يصنع ثنائية تاريخية مع شادية وسهير البابلي، مبرهناً على أنه “الجوكر” الذي يرفع قيمة أي عمل يتواجد فيه.

رحيل الجسد وبقاء المدرسة

​في 9 يوليو 2006، فقد المسرح المصري أحد أعظم مخرجيه. رحل عبد المنعم مدبولي، لكنه ترك خلفه “كتالوج” للكوميديا الراقية. لم يكن مجرد فنان يلقي النكات، بل كان مخرجاً صاغ وجدان الجمهور المصري، ومعلماً خرجت من معطفه أجيال كاملة تقود الضحك في العالم العربي حتى يومنا هذا.

فريق التحرير..

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *