في مدينة مثل القاهرة، حيث تتراكم الحكايات فوق بعضها مثل طبقات الضوء في صورة طويلة التعريض، لا تكون الصورة مجرد لحظة عابرة. إنها أثرٌ للزمن، وأداةٌ لفهم المجتمع، وأحياناً وثيقة تلتقط ما لا تستطيع اللغة قوله. من هذا الوعي بدور الصورة نشأ Contemporary Image Collective، المعروف عربياً باسم مركز الصورة المعاصرة، بوصفه واحداً من أهم الفضاءات الثقافية المستقلة التي أعادت التفكير في معنى التصوير في مصر.
لم يُنشأ المركز ليكون مجرد صالة عرض للصور، بل ليكون مساحة بحث وتجريب، ومكاناً للنقاش حول الصورة بوصفها لغة ثقافية وسياسية واجتماعية. وعلى مدار سنوات من العمل، أصبح المركز نقطة التقاء للفنانين والمصورين والباحثين الذين يرون في الصورة وسيلة لفهم العالم وإعادة قراءته.
فكرة المركز وبداياته..
نشأ Contemporary Image Collective كمبادرة ثقافية مستقلة تهدف إلى دعم الممارسات المعاصرة في التصوير والفنون المرتبطة بالصورة. وقد جاء تأسيسه نتيجة تعاون بين مجموعة من الفنانين والباحثين الذين سعوا إلى خلق مساحة تسمح بالتجريب البصري والحوار النقدي خارج المؤسسات التقليدية.
ومن بين الأسماء التي ارتبطت بتأسيس المشروع وبناء برامجه الأولى:
هبة فريد
رنا النمر
إلى جانب فنانين وباحثين آخرين شاركوا في صياغة ملامح المشروع، من بينهم:
مها مأمون
باسل عباس
ياسمين متولي
كما شاركت في المرحلة المبكرة من تأسيس المشروع الفنانة الألمانية
Edith Kollath
وقد أسهم هذا التنوع في الخلفيات الفنية والثقافية في أن يتشكل المركز منذ البداية كمنصة مفتوحة للحوار البصري والتعاون بين الفنانين.
الصورة كحقل للمعرفة
منذ نشأته تبنى المركز تصوراً مختلفاً لدور الصورة. فالتصوير هنا ليس مجرد تقنية، بل ممارسة فكرية وثقافية تتقاطع مع التاريخ والمدينة والسياسة.
ولهذا سعى المركز إلى خلق بيئة تجمع بين
الإنتاج الفني
البحث النظري حول الصورة
النقاش النقدي حول دور الصورة في المجتمع
وقد انعكس هذا التوجه في طبيعة الأنشطة التي نظمها المركز، من معارض فنية وبرامج تعليمية وورش عمل ولقاءات فكرية.
برنامج التعليم والتجريب
من أهم المبادرات التي عمل عليها المركز برنامج تعليمي مخصص للتصوير المعاصر. وقد صُمم هذا البرنامج ليكون مساحة للتعلم والتجريب خارج النماذج الأكاديمية التقليدية.
لم يركز البرنامج على تعليم التقنيات فقط، بل على التفكير في الأسئلة التي تطرحها الصورة، مثل:
كيف تُنتج الصور معانيها؟
ما العلاقة بين الصورة والسلطة؟
كيف تتحول الصور إلى جزء من الذاكرة الاجتماعية؟
ومن خلال هذا التوجه أصبح البرنامج تجربة تعليمية مهمة أسهمت في ظهور جيل جديد من الفنانين والمصورين الذين يعملون في مجال الصورة بوصفها لغة فنية وفكرية.
الثورة والصورة: لحظة التحول ..
شكّلت ثورة 25 يناير لحظة مفصلية في علاقة المجتمع المصري بالصورة. فقد تحولت الكاميرات — سواء الاحترافية أو تلك الموجودة في الهواتف المحمولة — إلى أدوات توثيق يومية للحظة تاريخية غير مسبوقة.
في تلك اللحظة لم تعد الصورة مجرد عمل فني، بل أصبحت جزءاً من الفعل السياسي نفسه. كانت الصور تنتقل بسرعة بين الشوارع والفضاءات الرقمية، وتبني أرشيفاً حياً للأحداث.
في هذا السياق برز دور Contemporary Image Collective كمكان للتفكير في معنى هذه الصور وفي الطريقة التي تُصنع بها الذاكرة البصرية للأحداث. فقد تحول المركز إلى مساحة للنقاش حول قضايا مثل:
أخلاقيات تصوير الاحتجاجات
دور الصورة في توثيق العنف والتحولات السياسية
العلاقة بين الصورة والإعلام
وكيف يمكن حفظ هذا الأرشيف البصري للأجيال القادمة
ومن خلال المعارض والنقاشات والورش التي نظمها، ساهم المركز في طرح أسئلة حول كيفية قراءة الصور التي أنتجتها الثورة، وحول الطريقة التي يمكن أن تتحول بها هذه الصور إلى جزء من الذاكرة الجماعية.
الأرشيف والذاكرة البصرية
إلى جانب اهتمامه بالإنتاج الفني، عمل المركز أيضاً على التفكير في الأرشيفات الفوتوغرافية بوصفها جزءاً من التاريخ الثقافي للمجتمع.
فالصور القديمة، سواء كانت عائلية أو صحفية، ليست مجرد وثائق للماضي، بل يمكن أن تكشف عن طبقات من الذاكرة الاجتماعية. ومن هنا جاء اهتمام المركز بالمشاريع التي تعيد قراءة الأرشيفات البصرية وتطرح أسئلة حول كيفية تشكل الذاكرة الجماعية.
المقر الحالي للمركز
يقع المقر الحالي لـ Contemporary Image Collective في جاردن سيتي بالقاهرة، في ٢ شارع اتحاد المحامين العرب، حيث يواصل المركز من هذا الفضاء تنظيم معارضه وبرامجه التعليمية ولقاءاته الثقافية.
أثر المركز في المشهد الثقافي
خلال سنوات من العمل، أصبح مركز الصورة المعاصرة أحد أهم الفضاءات المستقلة التي أسهمت في تطوير خطاب جديد حول الصورة في مصر. فقد فتح المجال أمام الفنانين الشباب، وخلق مساحة للنقاش حول العلاقة بين الفن والواقع، وربط المشهد المحلي بالحوار الدولي حول الفنون البصرية.
لكن الأثر الأعمق للمركز ربما يكمن في أنه غيّر الطريقة التي ننظر بها إلى الصورة نفسها. فالصورة هنا ليست مجرد انعكاس للعالم، بل وسيلة لفهمه وإعادة التفكير فيه.
وفي مدينة مثل القاهرة، حيث تتكاثر الصور كل يوم بلا نهاية، يظل مركز الصورة المعاصرة أشبه بعدسة مفتوحة على المدينة
يراقبها، يوثقها، لكنه في الوقت نفسه يعيد تخيلها من جديد.
فريق التحرير ..




لا تعليق