سالي ستورش: سردُ العزلة في اللوحة الأمريكية المعاصرة..

64

في تاريخ الفن الأمريكي الحديث ثمة خط خافت لكنه متصل، خطٌ يرفض أن يتخلى عن الإنسان وسط الضجيج البصري للتجريد والمفاهيمية والوسائط الجديدة. إنه خطّ الرسم التشخيصي الذي ظلّ، رغم كل التحولات، يصرّ على أن الجسد البشري واللحظة اليومية ما زالا قادرين على حمل الدراما الأكثر عمقاً. داخل هذا الخط يمكن قراءة تجربة الفنانة الأمريكية سالي ستورش، التي وُلدت عام 1952 في ولاية كاليفورنيا، وكرّست مسارها الفني لالتقاط تلك اللحظات الهشة التي تمرّ في الحياة دون أن يلاحظها أحد.

لوحاتها تبدو، للوهلة الأولى، هادئة وبسيطة: امرأة تقف قرب نافذة، رجل يعبر شارعاً، شخصية وحيدة داخل غرفة مضاءة بضوء خفيف. غير أن هذه البساطة الظاهرة تخفي وراءها بناءً بصرياً معقداً يقوم على السرد الصامت؛ فكل لوحة عندها تشبه لقطة متوقفة من فيلم لم نرَ بدايته ولا نعرف نهايته.

هكذا تتحول اللوحة إلى مساحة انتظار، إلى زمن معلق بين حدثين.

النشأة: بين الضوء والذاكرة

نشأت سالي ستورش في نيوبورت بيتش في كاليفورنيا، وهي مدينة ساحلية تمتاز بضوء واسع وسماء مفتوحة. هذا الضوء، الذي ينساب على الواجهات والطرقات ببطء، سيصبح لاحقاً أحد العناصر الأساسية في لوحاتها. ليس ضوءاً درامياً أو صاخباً، بل ضوءاً يومياً هادئاً يشبه ما نراه حين نسير في المدينة دون أن ننتبه إلى تفاصيلها.

غير أن البيئة العائلية لعبت أيضاً دوراً مهماً في تكوينها الفني. فقد ارتبط اسمها بتراث تشكيلي غير مباشر يعود إلى بدايات القرن العشرين؛ إذ كانت قريبتها الفنانة Bertha Rihani قد عاشت في باريس خلال عشرينيات القرن الماضي، في الفترة التي كانت فيها مدرسة باريس مركزاً عالمياً للفن الحديث، حيث عمل Henri Matisse وPablo Picasso على إعادة تعريف الشكل واللون  فنانون مثل

هذا الإرث، وإن جاء من بعيد، منح ستورش إحساساً بأن الرسم ليس مجرد مهارة تقنية، بل امتدادٌ لتاريخ طويل من التجارب البصرية.

سنوات الدراسة: السبعينيات وتحولات الفن

في أوائل السبعينيات التحقت ستورش ببرنامج الفنون الجميلة في University of Southern California، إحدى الجامعات التي شهدت آنذاك حراكاً فنياً واسعاً. كانت تلك السنوات مرحلة انتقالية في تاريخ الفن الأمريكي؛ فقد بدأت التعبيرية التجريدية التي هيمنت على الخمسينيات تفقد مركزها، بينما أخذ الفن المفاهيمي والمينيمالي يحتلان موقع الصدارة.

ثم تابعت دراستها في Art Center College of Design في باسادينا، وهو معهد اشتهر بتركيزه على الصلة بين الفن والتصميم والوسائط البصرية الحديثة.

غير أن تجربة الدراسة هذه قادتها إلى نتيجة غير متوقعة

بدلاً من الانجذاب إلى الاتجاهات المفاهيمية السائدة، شعرت بحاجة أقوى إلى العودة إلى الرسم التشخيصي، إلى الجسد البشري بوصفه مركزاً للمعنى البصري.

في زمن كان كثير من الفنانين يبتعدون فيه عن اللوحة التقليدية، اختارت ستورش أن تبقى رسامة.

الطريق الذي اختارته ..

كان هذا القرار أشبه بموقف جمالي واضح. فبينما كانت التيارات الجديدة ترى أن العمل الفني يمكن أن يكون فكرة أو تركيباً أو أداءً، كانت ستورش ترى أن اللوحة نفسها ما تزال قادرة على حمل الحكاية.

لكن هذه الحكاية لم تكن درامية أو صاخبة؛ بل كانت حكاية الحياة اليومية، تلك التي تمر غالباً دون أن تُسجَّل في التاريخ أو الأخبار.

في لوحاتها لا نجد الأبطال ولا الأحداث الكبرى. نجد فقط الإنسان في حالته العادية: ينتظر، يفكر، يمشي، أو يقف في لحظة صمت.

يصعب قراءة عالم سالي ستورش دون التوقف عند أثر الفنان الأمريكي  1882– 1967   إدوارد هوبر، الذي يعد أحد أهم رسامين العزلة الحضرية في القرن العشرين، في لوحات هوبر الشهيرة مثل صقور الليل 1942   تظهر شخصيات منفردة داخل مقهى مضاء في الليل، محاطة بصمت المدينة. لقد كان هوبر مهتماً بتلك اللحظات التي يشعر فيها الإنسان بأنه قريب من الآخرين لكنه في الوقت نفسه منفصل عنهم.

تستعيد ستورش شيئاً من هذا الإرث، لكنها لا تكرره. فهي تستخدم عناصره – الضوء الهادئ، الفضاءات الواسعة، الشخصيات القليلة – لتبني سردها الخاص.

الفرق أن عالمها يميل إلى دفء إنساني أكثر، كأن الشخصيات ليست معزولة تماماً بل تقف على حافة اتصال محتمل.

اللوحة كلقطة سينمائية

كثيراً ما يصف النقاد لوحات ستورش بأنها تشبه لقطات سينمائية متوقفة

التكوين عندها يقوم غالباً على عناصر محدودة.

شخصية واحدة أو اثنتان، فضاء واضح، وضوء يأتي من نافذة أو مصباح. غير أن توزيع هذه العناصر يجعل المشهد يبدو كأنه جزء من قصة أكبر.

لا نعرف ما الذي حدث قبل اللحظة المصورة، ولا ما الذي سيحدث بعدها. لكننا نشعر أن هناك شيئاً ما على وشك أن يحدث.

هذا الإحساس بالاحتمال هو ما يمنح لوحاتها قوة سردية خاصة.

الأشياء المفقودة: بذور الحكايات

في إحدى مراحل تجربتها الفنية طورت ستورش فكرة لافتة تقوم على استلهام إعلانات الأشياء المفقودة التي تنشر في الصحف المحلية

تلك الإعلانات الصغيرة التي تقول مثلاً

“ساعة فضية ضاعت في شارع كذا”

أو

“كلب بني مفقود منذ مساء الأحد”

بالنسبة لها لم تكن هذه الإعلانات مجرد أخبار هامشية، بل كانت بذور حكايات إنسانية. فكل شيء مفقود يعني أن هناك شخصاً فقده، وأن هناك لحظة ما حدث فيها هذا الفقد.

كانت تبدأ أحياناً من الشيء نفسه: قرط، حقيبة، أو ساعة. ثم تبني حوله مشهداً بصرياً يوحي بالحكاية دون أن يرويها بالكامل.

بهذه الطريقة تصبح اللوحة أثراً لحدث لا نراه، لكنها تترك للمشاهد مساحة واسعة للتخيل.

 

التقنية واللغة البصرية

تعتمد ستورش في معظم أعمالها على الزيت على القماش، وهو الوسيط الكلاسيكي للرسم الغربي. غير أن تقنيتها لا تقوم على الواقعية الفوتوغرافية، بل على توازن بين الدقة والاختزال.

ألوانها تميل إلى الهدوء

درجات من الأزرق الرمادي، والبني الدافئ، والأخضر الخافت. هذه الألوان تمنح اللوحة جواً نفسياً هادئاً، كأنها تنتمي إلى لحظة ما بين النهار والليل.

كما أن الفراغ يلعب دوراً مهماً في تكويناتها. فالشخصيات غالباً ما تُوضع داخل فضاءات واسعة نسبياً، ما يخلق إحساساً بالعزلة، لكنه في الوقت نفسه يفتح المجال أمام الضوء والحركة البصرية.

بهذا المعنى، فإن الفراغ عندها ليس مجرد خلفية، بل عنصر درامي يشارك في بناء المعنى.

حضورها في المشهد الفني

منذ ثمانينيات القرن العشرين بدأت أعمال سالي ستورش تظهر في معارض متعددة داخل الولايات المتحدة، خصوصاً في صالات العرض في كاليفورنيا. ومع مرور السنوات دخلت لوحاتها عدداً من المجموعات الخاصة، وظهرت في مزادات فنية مختلفة، ما يشير إلى حضور مستمر داخل سوق الفن.

ورغم أن اسمها لا ينتمي إلى دائرة النجومية الإعلامية التي تحيط ببعض فناني المعاصر، فإن تجربتها تمثل مثالاً للفنان الذي يعمل بهدوء واستمرارية داخل تقليد واضح.

إنها ليست فنانة تبحث عن الصدمة البصرية أو عن التجريب الراديكالي، بل عن اللحظة الإنسانية الدقيقة التي يمكن أن تختبئ داخل مشهد عادي.

في عالم الفن المعاصر المزدحم بالتجارب المفاهيمية والوسائط الرقمية، تبدو تجربة سالي ستورش كأنها همس بصري طويل.

إنها لا تبحث عن الإبهار، ولا عن الضجيج البصري.

بل عن شيء أبسط وأكثر عمقاً

أن تُمسك لحظة إنسانية صغيرة قبل أن تختفي.

ولهذا السبب تشبه لوحاتها صفحات من رواية صامتة؛

رواية لا تُكتب بالكلمات، بل بالضوء، والفراغ، والشخصيات التي تبدو كأنها تنتظر شيئاً لا نعرفه.

 

..  تكتب بالصمت

حين نقف أمام لوحة لسالي ستورش نشعر كأننا أمام صفحة من رواية لم تُكتب بعد. كل شيء يبدو مألوفاً: غرفة، شارع، نافذة، شخص يقف وحده. لكن هذا المألوف نفسه يصبح غامضاً حين يتوقف الزمن داخله.

إنها لا ترسم الأحداث الكبرى، بل تلك اللحظات الصغيرة التي تمرّ بين حدثين. اللحظات التي يظل فيها الإنسان وحده مع أفكاره، أو مع صمت المدينة.

لهذا تبدو لوحاتها أشبه بما يمكن أن نسميه أدباً بصرياً؛ سرداً لا يعتمد على الكلمات بل على الضوء والظل والفراغ.

وفي زمن يزداد فيه العالم صخباً وتسارعاً، تبدو تجربة سالي ستورش تذكيراً هادئاً بأن الفن يمكن أن يفعل شيئاً بسيطاً لكنه عميق أن يجعلنا نتوقف لحظة وننظر.

 

فريق التحرير ..

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *