بين صخب شوارع وسط القاهرة وهدوء منطقة الدواوين، تقف بناية قديمة صامدة، تفتح بابها الخشبي الثقيل لتعبر بك من ضجيج القرن الحادي والعشرين إلى عالمٍ يسكنه “الزار” وتسابيح النيل. هنا “مكان”، حيث لا تقاس المسافات بالمتر، بل بمدى نفاذ النغمة إلى الروح.
مِعمار العتبة: سحر “الآرت ديكو” وتفاصيل الزمن
تقع شقة “مكان” في الطابق الأول لبناية كلاسيكية عريقة من طراز القرن التاسع عشر. عمارة المكان تعكس فخامة القاهرة الخديوية؛ أسقف عالية تسمح للنغمات بالتحليق، وجدران سميكة تحفظ أسرار الجلسات، ونوافذ خشبية طويلة تطل على شارع سعد زغلول.
الداخل لا يقل سحراً؛ حيث الأرضيات الخشبية القديمة (الباركية)، والسجاد اليدوي الملون الذي يفترش الأرض ليقرب المسافة بين الفنان والجمهور. الإضاءة خافتة، تعتمد على فوانيس نحاسية تضفي ظلالاً درامية على الوجوه، وكأن المكان نفسه “ركح” مسرحي طبيعي لا يحتاج لتكلف.
روح العتبة: حين يستيقظ الزار من غفوته
الروح الحقيقية لـ “مكان” هي فرقة “مزاهر”. هنا، يُنفض الغبار عن فن “الزار” الذي طالما أُسيء فهمه. في كل ليلة أربعاء، تتحول الشقة إلى محراب كوني؛ حيث ترقص “أم سامح” وتغني “أم حسن” بأصواتٍ قادمة من أعماق الأرض.
النشاط في “مكان” هو “فعل مقاومة” للنسيان، حيث تُقدم الموسيقى التقليدية (زار، سمسمية، طنبورة) في صورتها الخام، دون تزييف أو توزيع حديث، مما يجعل المتلقي في حالة تواصل بدائي وصادق مع هويته الموسيقية.
.. حارس العتبة: أحمد المغربي.. الباحث عن الأصل
خلف هذا الصرح يقف الباحث أحمد المغربي، الرجل الذي لم يكتفِ بتأسيس مركز ثقافي، بل أسس “ملاذاً”. بذكائه ورؤيته، استطاع المغربي أن ينقل “مكان” من حيز الضيق المحلي إلى العالمية، مؤمناً بأن الفن الشعبي المصري هو لغة عالمية لا تحتاج لترجمة، طالما أنها تُقدم بصدق وإخلاص لأصحابها الأصليين.
صدى العتبة: أكثر من مجرد عرض
أثر “مكان” يتجاوز حدود الحفلة الموسيقية؛ فهو الذي أعاد الاعتبار لآلات موسيقية كانت في طريقها للمتاحف (مثل الطنبورة والمنجور). صدى هذا المكان يتردد اليوم في قلوب جيل جديد من الشباب الذين وجدوا في “عتبة مكان” رداً على تساؤلاتهم حول “من نحن؟” موسيقياً وثقافياً.
وأخيرا “مكان” هو البوابة التي نمر منها لنكتشف أن التراث ليس قديماً بالضرورة، بل هو حيّ، ينبض، وينتظر فقط من يطرق عتبته بقلبٍ مفتوح.
فريق التحرير ..




لا تعليق